عبد الله الأنصاري الهروي

35

منازل السائرين ( شرح القاساني )

درجة ويشرّف بقبول الحقّ وقربه ، أو هو يقطع المنازل منزلا منزلا بنفسه ويصل إلى آخر المنازل الذي هو مقام قربه ؛ وكلّ قرب يعبر منه فمنزل ، وإذا أقاموه في مرتبة فهو مقام ، كما للملائكة في السماء . . . والناطق عن هذا العلم ثلاثة رجال : الأوّل أهل التحقيق ، والثاني أهل السماع ، والثالث أهل الدعوى . والمحقّق يعرف من النور الذي في كلامه ، وأهل السماع يعرف من سماعهم الغيريّة ، وأهل الدعوى يعلم من كلامهم الوحشة وعدم الحرمة . وأسانيد هذا العلم هي الوجدان ، وعلامة صحّته عاقبته . ولا بدّ لهذه المقامات الألف من ستّة لا يمكن الخلوّ منها لحظة أبدا : تعظيم الأمر ، وخوف المكر ، ولزوم العذر ، والخدمة للسنّة ، والعيش على الفاقة ، والشفقة على الخلق . والشريعة كلّها حقيقة والحقيقة كلّها شريعة ، وبناء الحقيقة على الشريعة ، والشريعة بدون الحقيقة لا ينفع والحقيقة بدون الشريعة لا تنفع ، والعامل بغير هذين لا ينتفع . وشرط كلّ منزل من هذه المنازل الألف أن تدخل بالتوبة وتخرج بالتوبة ، فإنّ ربّ العزّة قال : وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ [ 24 / 31 ] فجعل جميع عباده محتاجا إلى التوبة ، وأظهر على جميعهم ذلّ الخطأ ، وابتلاهم بخسارة الغفلة والعجز عن أداء الحقّ ، صار غنيّا فعفى ، وبدلا عن المعذرة استغنى وقال : وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [ 49 / 11 ] ، فأدخل جميع الخلق تحت أحد الحكمين . والمصطفى صلى اللّه عليه وسلّم جعل التوبة صيقل الغنى وعذر التقصير ، حيث قال : « أتوب إليك من ذنوبي كلّها ولا حول ولا قوّة إلّا باللّه العليّ العظيم » . من التعارف إلى المحبّة ألف مقام ، ومن المعرفة إلى البسط ألف مقام ، وكلّ ذلك بني على مئة ميدان - واللّه المستعان » . هذا تعريب مقدمة « مئة ميدان » وتراه قريبا مما جاء في مقدمة « منازل السائرين » ثمّ شرع في الكلام عن الميادين ، على الترتيب :